الأربعاء، 22 مايو 2013

عَــدَالَـــةُ يَـــتِـــيْـــمْ


أحيانا، تمر لحظات ليست كمثيلاتها اليومية، تجعلك تنظر إلى أقلامك، إلى ريشتك، إلى نافذتك وتراها عاجزة عن رسم هول المصيبة..ترى بيوت الجيران تبكي، وجدرانها بشقوقها اصبحت كخدود أمٌ على فراش الموت.. طفلها بين يديها يبكي لأنه فقط "أحس بقرب الرحيل".. تضمه وتهمس بصوت يتخافت.."لا تبكي يا طفلي فلك من بعدي الإله" وأي إله؟ أخفت عليه ثلاث أرباع الحقيقة.. كذبت كذبتها البيضاء ورحلت.. ويقولون لا لم ترحل.. فهي حسرة وليدها إلى الأبد، هي دمعته وتعاسته إلى الأبد.. هي مرارة ضحكاته و حرقة دموعه .. اذكر وقتها أن صوت بكاءه الذي كان يملئ الحي قد خفت.. حتى طرقات ما صار يعرف لاحقا ببيت اليتيم قد أصبحت أطول.. فخطوات الجيران إلى هناك اصبحت موحلة بالدموع ومعبدة بالشفقة.. ومن ذات النافذة سمعت جارتنا تحدث أخرى بصوتٍ خبيث وتصيح: "يقولون أنها تركت له الدكان والبيت، وبضع شجرات الكرز!" فتجيبها محدثتها بمرارة: "نعم، ولا تنسي فستان عرسها وخاتمها وصورة أمها المريضة" تلك الصورة التي ما تزال إلى يومنا هذا معلقة بجانب صورة الأم المتوفاة.. وعلى هذا الجدار صور لثلاث أمهات.. أم ثكلى ومريضة، وأم ماتت فقيرة.. وبينهما صورة لـ"لمريم العذراء" فهي أم من نوع أخر.. وبين احضانها يتيمٌ من نوع أخر.. ولا شك، فهم بعد غد سيرفعون الصلاة لذلك اليتيم ليغفر ليتيم حيينا.. نعم، إنها عدالة الإله.. هي ثلاث أرباع الحقيقة.. فقد رفع بيتيم إلى السماء ورمى بأخر إلى جهنم.. هذا هو إلهك يا طفلي.. وهذه تعاسة نافذة غرفتي، تطل على ما لا يجب أن تراه عيناي أو ما لايجب ان يصل لمسمعي.. لكن لا مفر ولا ملاذ من عيون الموت عندما يكون الموت اسهل الكلمات.. فنعيش لنتمناه! لا أدري إن صادف هذا الأمر الكثيرين.. وكل ما أدريه.. أني عندها وعندها فقط.. أدرك كم ثمين هو قلبك.. وكم صعب نسيانه.. عندها أراكي ويداكي على كتفي، أنفاسك المريضة تقطع أوصال الحروف في حنجرتي.. شفتيكي الباردتان تغتال صمتي وسكوني.. وجميع عجزي بدو جليا في حلكة عينيكي.. أين ربنا من شقائنا؟ أين هو من ضعفنا.. أين هو من حُسن الوعيد؟ حُسن الختام؟ أو من أي شيء كان..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق